هنا، في سفوح الكثبان الذهبية، لا تتنافس المركبات وحدها. تتنافس الإرادة مع التضاريس، والخبرة مع المفاجأة، والسرعة مع القدرة على البقاء متماسكًا حين يتغير مسار الأرض تحت العجلات. وفي كل عام، يبدو السؤال واحدًا ومفتوحًا في آن: من سيصل أولًا؟ ومن سيصمد حين تتحول الكثبان إلى امتحان حقيقي؟

ذلك هو رالي «تي تي» الصحراوي بودان؛ حدث بدأ بتجمع محدود نسبيًا، ثم أخذ يتوسع عامًا بعد آخر حتى صار واحدًا من أبرز مواعيد الرياضة الميكانيكية في ليبيا، وملتقى جماهيريًا يتجاوز حدود المنافسة إلى الفن والتراث والسياحة والتواصل الاجتماعي.

البداية: تجربة صغيرة تحمل وعدًا كبيرًا

تعود البدايات غير الرسمية للرالي إلى أكتوبر/تشرين الأول 2014، عندما شاركت قرابة 75 سيارة دفع رباعي في أولى دوراته. لم تكن الأرقام وحدها هي الأهم، بل ما كشفته التجربة من قدرة المكان على استضافة حدث يجمع عشاق القيادة الصحراوية، ومن رغبة الجمهور في رؤية رياضة ميكانيكية تتشكل أمامه في فضاء مفتوح.

في 16 أبريل/نيسان 2015، جاءت دورة أخرى أكثر اتساعًا، بمشاركة قُدرت بنحو 130 سيارة دفع رباعي وما يقارب 300 مشارك، إلى جانب حضور كثيف من أهالي المنطقة وسكان المدن المجاورة. ورافقت الفعاليات عروض للمقتنيات وفقرات شعبية قدمها أبناء المنطقة، في إشارة مبكرة إلى الهوية التي ستطبع الرالي لاحقًا: محركات حديثة تتحرك وسط تاريخ محلي وموروث حي.

بعد أشهر قليلة، انتقل الحدث إلى مرحلة جديدة. ففي الفترة من 25 إلى 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، انطلقت النسخة الرسمية الأولى بمشاركة تجاوزت 150 سيارة دفع رباعي وأكثر من 300 مشارك ومتسابق من مدن ليبية مختلفة. وأقيمت الدورة تحت مظلة النادي الليبي للسيارات والرحلات، العضو في الاتحاد الدولي للسيارات FIA والمنظمة الدولية للسياحة AIT، وفق ما تذكره المذكرة التنظيمية.

ولم يتوقف صدى النسخة الأولى عند حدود ودان. فقد رافقتها تغطية من قنوات فضائية ليبية، ووكالة الأنباء الليبية، وإذاعات محلية، وهو ما منح الرالي حضورًا إعلاميًا ساعده على الانتقال من فعالية محلية إلى قصة وطنية يتابعها جمهور أوسع.

النسخة الثانية: حين يصبح الرالي موعدًا للقاء

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عادت سيارات الدفع الرباعي إلى رمال ودان في النسخة الثانية، التي أقيمت برعاية وزارة الثقافة والمجتمع المدني، وتنظيم وإشراف النادي الليبي للسيارات والرحلات، واستمرت ثلاثة أيام.

بحسب المذكرة، تجاوز عدد المشاركين 200 سيارة دفع رباعي، قدمت من مدن ليبية عديدة. لكن الرقم الأبرز لم يكن عدد السيارات فقط؛ بل المشهد الإنساني الذي صنعته. متابعون من الشرق والوسط والغرب والجنوب التقوا في موقع واحد، لا يجمعهم مسار السباق وحده، بل شغف مشترك بالرياضة الميكانيكية ورغبة في استعادة مساحة للفرح الجماعي.

في تلك الدورة، ظهرت ودان كما لو أنها ترسم لوحة واسعة للتقارب. جماهير غفيرة، فرق من مناطق مختلفة، ومشاركون يتبادلون الخبرة والحماس في بيئة تتراجع فيها الانقسامات أمام صوت المحرك ودهشة المغامرة. وتضيف المذكرة أن الرالي تحول إلى تجمع سنوي يتيح للناس تناسي الخلافات وتضميد الجراح، وهي دلالة تتجاوز الوصف الرياضي إلى الدور الاجتماعي الذي اكتسبه الحدث.

وزاد حضور نادي الطيران الليبي من فرادة المشهد. فقد شاركت أطقم إدارية وفنية، إلى جانب فرع النادي في الجفرة، بعروض للطيران والطيران الشراعي خلال الافتتاح والفعاليات. وفي سماء الرالي، بدت الطائرات الشراعية كأنها تكمل ما بدأته السيارات على الأرض: حركة متعددة المستويات، وألوان تضيف إلى الصحراء مشهدًا لا يتكرر بسهولة.

النسختان الثالثة والرابعة: من هواية إلى ظاهرة

في الفترة من 2 إلى 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، كانت النسخة الثالثة قد وجدت مكانها في التقويم السنوي لعشاق الدفع الرباعي والطرق الوعرة. لم يعد الرالي تجربة ينتظر نجاحها؛ صار حدثًا ينتظر الناس موعده.

تشير المذكرة إلى أن عدد سيارات الدفع الرباعي في تلك الدورة تجاوز 600 سيارة، مع حضور كبير من الساحل والوسط والجنوب، إلى جانب جماهير واسعة. واستمرت الفرق الشعبية والفرسان في تقديم عروضها، ليبقى الرالي محتفظًا بمزيج خاص يجمع الرياضة والاستعراض والاحتفال بالموروث الشعبي.

ثم جاءت النسخة الرابعة في الفترة من 1 إلى 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2018. في ذلك الوقت، أصبحت ودان هدفًا لمحترفي وهواة القيادة على الرمال، وأخذت رقعة الرالي تتسع بانضمام مشاركين من المناطق الشرقية للمرة الأولى، وفق ما ورد في المذكرة.

وتورد اللجنة المنظمة أن عدد الزوار في تلك النسخة تجاوز ألف سيارة بمختلف أنواعها، غالبيتها من سيارات الدفع الرباعي. غير أن ضخامة الحدث لم تكن تعني تجاهل إمكانات المشاركين؛ فالمتسابقون كانوا يشاركون بجهود شخصية وعلى نفقتهم الخاصة، ولذلك صُممت مراحل السباق، بحسب المذكرة، لمسافات لا تتجاوز 50 كيلومترًا للمرحلة الواحدة، بما يجعلها أكثر ملاءمة للقدرات المتاحة، مع العمل على تقديم جوائز ذات قيمة ومعنى.

في تلك المرحلة، كان واضحًا أن نجاح الرالي لم يعد مرتبطًا بسرعة السيارات فقط. فالإدارة أنشأت لجانًا متخصصة، من بينها اللجنة الإعلامية، لتغطية الحدث عبر القنوات الفضائية والإذاعات والمنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما ركزت اللجنة المنظمة على إدخال دماء شابة وتوزيع المسؤوليات وفق خريطة عمل واضحة، وهي عناصر ساعدت على تحويل الرالي إلى منظومة تنظيمية، لا مجرد تجمع للمركبات.

2019: «هنا تي تي، هنا تلتقي ليبيا»

في الفترة من 31 أكتوبر/تشرين الأول إلى 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حملت النسخة الخامسة شعارًا يلخص ما صار الرالي يمثله: «هنا تي تي، هنا تلتقي ليبيا».

انطلقت المنافسات في ودان بمشاركة أكثر من 700 سيارة دفع رباعي و60 دراجة نارية، وفق المذكرة، وسط تدفق كبير للزوار من مختلف المدن والقرى الليبية. كانت المدينة، خلال أيام الرالي، تبدو مختلفة تمامًا: سيارات أمام المحال، وأخرى تجوب الطرقات، ومركبات تتجمع قرب عيون المياه الكبريتية، فيما يتنقل الزوار بين مواقع الفعاليات بحثًا عن المغامرة والفرح.

لم يعد «تي تي» سباقًا بالمعنى الضيق. ففي محيط الحلبة والكثبان، أقيمت استعراضات فنية ومهارية للهواة والمحترفين، عُرضت خلالها قوة السيارات وقدرات السائقين. وعلى هامش المنافسات، حضرت الوصلات الغنائية والفنية الشعبية، والمعارض التي تعرّف بالموروث المحلي، لتصبح أيام الرالي أقرب إلى مهرجان صحراوي واسع.

ومن منظور اقتصادي واجتماعي، تصف المذكرة الرالي بأنه عجلة تنتظر منطقة ودان والجفرة دورانها كل عام. فهو ينعش الحركة التجارية، يرفع الطلب على الخدمات، ويفتح نافذة للسياحة الداخلية، كما يمنح الحرفيين والمهتمين بالتراث مساحة لعرض منتجاتهم ومقتنياتهم. وبذلك تكتسب الرياضة الميكانيكية وظيفة إضافية: أن تكون محركًا للاقتصاد المحلي ووسيلة للتعريف بالمكان.

لكن أكثر ما يميز الرالي هو الصورة الإنسانية التي تتكرر في كل دورة. ابتسامة قادمة من الشرق تحمل ذاكرة الجبل الأخضر، وأخرى من الغرب مشبعة برائحة البحر وبساتين الساحل، وثالثة من الجنوب تحمل اتساع الصحراء. في ودان، بحسب روح الشعار والمذكرة، تلتقي هذه الصور لا لتذوب في صورة واحدة، بل لتؤكد تعدد ليبيا داخل مشهد احتفالي واحد.

أربعة أعوام من التوقف ثم عودة أشد بريقًا

بعد نسخة 2019، توقف الرالي أربعة أعوام متتالية بسبب جائحة كورونا وعوامل أخرى، وفق المذكرة. وكان التوقف اختبارًا صعبًا لأي فعالية جماهيرية؛ فالأحداث التي تتوقف طويلًا قد تفقد زخمها، وقد يتبدد جمهورها أو تتراجع قدرتها التنظيمية.

لكن عودة «تي تي» جاءت لتثبت العكس. ففي فبراير/شباط 2024، انطلقت النسخة التاسعة، برعاية حصرية من الفريق الركن صدام خليفة حفتر، بحسب المصدر. كان الانتظار الطويل قد راكم شوقًا واضحًا لدى عشاق الدفع الرباعي، وجعل العودة تبدو كاستئناف لقصة لم تنتهِ، لا كإطلاق جديد من الصفر.

بدأت اللجان المختلفة استعداداتها مبكرًا: تخطيط الموقع، البحث عن الرعاة والداعمين، تأمين الدعم اللوجستي، وتنظيم حركة الجموع القادمة من مدن وقرى شرقًا وغربًا وجنوبًا. وتذكر المذكرة أن رعاية رئاسة القوات البرية ساعدت على تذليل صعوبات واجهت اللجنة المنظمة.

أما النتيجة، فكانت دورة استثنائية بحسب وصف اللجنة، تجاوز عدد زوارها 30 ألفًا. وبغض النظر عن اختلاف المقاييس بين دورة وأخرى، كان المعنى واضحًا: الرالي عاد إلى المشهد العام بقوة، واستعاد مكانته كموعد ينتظره الجمهور.

النسخة العاشرة: عندما تجاوز صدى الرالي الحدود

في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أقيمت الدورة العاشرة في حدث وصفته المذكرة بأنه غير مسبوق من حيث كثافة الحضور. وتورد تقديرًا يتجاوز 200 ألف زائر من مختلف المدن والمناطق الليبية، إضافة إلى حضور من تونس والجزائر والولايات المتحدة وكندا والمكسيك ومصر والكويت وسويسرا.

هذا التنوع الجغرافي منح الرالي بعدًا جديدًا. فودان لم تعد تستقبل جمهورًا ليبيًا فقط، بل بدأت تستقطب اهتمامًا إقليميًا ودوليًا. ومع كل سيارة تصل إلى موقع الفعاليات، وكل فريق يعبر مسافة طويلة للمشاركة، كان الرالي يبعث برسالة مفادها أن الصحراء الليبية قادرة على استضافة رياضة جماهيرية ذات جاذبية عابرة للحدود.

على الأرض، كان المشهد كثيفًا إلى حد يصعب اختزاله في صورة واحدة: سيارات دفع رباعي مصطفة أو منطلقة، جمهور يتابع تحديات الكثبان، فرق تستعد، أطفال يراقبون بدهشة، وباعة وأسر وأصحاب خدمات يستفيدون من موسم لا يتكرر إلا أيامًا قليلة في السنة. إنها مدينة تظهر بكامل طاقتها في موسم الرالي، ثم تهدأ بعد انقضاء الفعاليات، منتظرة الدورة التالية.

النسخة الحادية عشرة: سباق أكثر تنظيمًا وطموحًا دوليًا

في الفترة من 6 إلى 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نظمت لجنة رالي تي تي النسخة الحادية عشرة في ودان، برعاية حصرية من الفريق أول صدام خليفة حفتر، وفق المذكرة. وقدمت اللجنة هذه النسخة باعتبارها محطة مهمة من حيث التنظيم والمشاركة والحضور الجماهيري.

أحد أبرز عناوين الدورة كان التركيز على السلامة. أُعدت مسارات السباق وفق معايير السلامة الدولية، وجُهزت مناطق للتخييم والاستراحة للفرق المشاركة، وشُقت طرق فرعية لتسهيل حركة الجمهور والمشاركين نحو فعاليات تحدي الكثبان وحلبة سباق الإكستريم.

كما وفر المنظمون فريق تحكيم وطنيًا من ذوي الخبرة، بمساعدة حكام من تونس والأردن، مع استخدام تقنيات تتبع المتسابقين عبر الأقمار الصناعية. ويعكس ذلك انتقال الرالي من الاعتماد على الحضور الميداني وحده إلى تبني أدوات تكنولوجية تعزز المراقبة والدقة وسلامة المنافسة.

وفي الجانب الطبي، تذكر المذكرة توفير فريق متخصص للإسعاف والرعاية، ومستشفى ميداني يضم غرف إنعاش وتخصصات للعظام والجراحة وبنكًا للدم. وفي رياضة تجري في بيئة صحراوية وتجمع بين السرعة والتضاريس الصعبة، تصبح هذه التجهيزات جزءًا أساسيًا من جودة الحدث، لا تفصيلًا ثانويًا.

شهدت المنافسات فئات السيارات والدراجات النارية والدراجات الرباعية. وتورد المذكرة أن 50 متسابقًا في فئة السيارات خضعوا للتصفية، تأهل منهم 13 متسابقًا، إلى جانب حضور مغاربي وعربي يعكس، بحسب اللجنة، اتساع الطابع الإقليمي والدولي للرالي.

أما الجمهور، فتشير المذكرة إلى تقدير غير رسمي تجاوز 500 ألف زائر. ولأن الرقم غير رسمي، ينبغي التعامل معه بوصفه تقديرًا صادرًا عن الجهة المنظمة لا إحصاءً مستقلاً مدققًا. لكنه، حتى مع هذا التحفظ، يعكس حجم الحضور الذي أرادت الدورة إبرازه، وحجم المكانة التي اكتسبها الرالي لدى جمهوره.

ما وراء خط النهاية

إذا كان خط النهاية يحدد الفائز في السباق، فإن أثر رالي تي تي لا ينتهي عنده. فالمنافسة تترك وراءها حركة اقتصادية في ودان والجفرة، وفرصًا للتعريف بالمكان، واهتمامًا متزايدًا بالسياحة الصحراوية، وتجربة تنظيمية يمكن البناء عليها في فعاليات لاحقة.

كما أن الرالي يفتح بابًا لتطوير التعاون مع مهرجانات ورياضات صحراوية عربية وأفريقية ودولية. وتوصيات اللجنة المنظمة تتجه إلى تطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون مع الجهات المشابهة، وتوسيع المشاركة لتشمل فرقًا عربية وأفريقية وعالمية، وإطلاق حملات إعلامية متعددة اللغات للترويج للرالي خارج ليبيا.

هذه الطموحات تحتاج إلى تحويل النجاح الجماهيري إلى بنية مستدامة: روزنامة واضحة، قواعد مشاركة معلنة، بيانات دقيقة للحضور والمشاركين، منظومة سلامة متطورة، خدمات أفضل للزوار، وحماية للبيئة الصحراوية التي تشكل المسرح الطبيعي للحدث. فكلما كبر الرالي، كبرت معه مسؤولية تنظيمه والحفاظ على موارده ومحيطه.

الخاتمة: ودان لا تغيب، بل تستعد

في نهاية كل دورة، تنطفئ الأضواء وتقل حركة السيارات، لكن قصة الرالي لا تنتهي. تعود ودان إلى هدوئها، وتبقى آثار الإطارات على الرمل شاهدًا على أيام امتلأت بالضجيج والفرح. ثم يبدأ الانتظار من جديد.

«تي تي» ليس مجرد سباق سيارات. إنه موعد تتقاطع فيه الرياضة مع الذاكرة، والمغامرة مع الاقتصاد، والصحراء مع الإعلام، والاحتفال مع فكرة اللقاء. ومن انطلاقة شاركت فيها عشرات السيارات عام 2014، إلى نسخة حادية عشرة ذات طموح دولي في 2025، قطع الرالي طريقًا طويلًا من التأسيس إلى التوسع.

قد يكون السؤال في النسخة المقبلة عن أسرع سيارة أو أفضل سائق. لكن السؤال الأعمق سيظل: إلى أي مدى تستطيع ودان أن تجعل من رمالها منصة دائمة لرياضة صحراوية ليبية تصل إلى العالم؟

وفي كل مرة يصعد فيها هدير المحركات من جديد، ستقدم الكثبان الإجابة بطريقتها الخاصة: الطريق لم ينتهِ بعد، والسباق الحقيقي بدأ منذ اللحظة التي قررت فيها ودان أن تفتح أبوابها للمغامرين.